أبو علي سينا
36
عيون الحكمة
محركة . والقوّة المدركة : أما في الظاهر فهي هذه الحواسّ الخمس ، وأما في الباطن فالحسّ « 1 » المشترك والمصوّرة والمتخيّلة والمتوهّمة والمتذكّرة . فأوّل الحواسّ وأوجبها للحيوان والذي به يكون الحيوان حيوانا من بين سائر الحواسّ هو اللمس ، وهو قوة من شأنها أن تحسّ بها الأعضاء الظاهرة بالمماسّة كيفيات الحر والبرد والرطوبة واليبوسة والثقل والخفّة والملاسة والخشونة وسائر ما يتوسّط بين هذه ويركّب منها . ثم قوة الذوق وهي مشعر المطاعم ، وعضوها اللسان ؛ ثم قوة الشّم ، وهي مشعر الروائح ، وعضوها جزءان من الدماغ في مقدّمه شبيهان بحلمتى الثدي . ثم قوة السمع ، وهي مشعر الأصوات ، وعضوها العصبة المنغرسة على سطح باطن الصّماخ . ثم قوة البصر وهي مشعر الألوان ، وعضوها الرطوبة الجليدية في الحدقة . وكل واحد من هذه المشاعر فان المحسوس يتأدى إليها : أما الملموس فيكون بلا واسطة غريبة ، بل بالمماسّة ؛ وأما المطعوم فبتوسّط الرطوبة . وقد غلط من ظن أن الإبصار يكون بخروج شئ من البصر إلى المبصرات يلاقيها ، فإنه إن كان جسما امتنع أن يكون في بصر الإنسان جسم يبلغ من مقداره أن يلاقى نصف كرة العالم وينبسط عليها . ثم إنه مع ذلك إن كان متصلا بالبصر فهو أعظم ، وإن كان منفصلا لم يتأدّ مدركه إلى البصر ؛ وإن كان متصلا ، وجب أن يكون غير تام الاتصال ، إذ لا يدخل جسم في جسم فتكون تأديته محالة لانقطاعه « 2 » ، أو يكون ما يتخلله من الهواء يؤدى فلا يحتاج إلى خروجه ؛ وإن كان عرضا كان من العجب أن يخرج عرض عن جسم إلى جسم آخر . وأيضا إن كان جسما فإما أن تكون حركته بالطبع أو بالإرادة : فإن كان بإرادة كان لنا
--> ( 1 ) ص : وهي الحس . ( 2 ) ص : بلا انقطاعه . ب : محالة لانقطاعه .